ابن عربي

58

شجون المسجون وفنون المفتون

به القلب أو يثاب بحسب ذلك الاكتساب . فمن أوّل خاطر يبتدئ يجب أن تلحظ كسبك ، فإن كان ممّا يفنى « 1 » فهو عليك ، وإن كان ممّا يبقى فهو لك . ومن عرف الكتاب العزيز عرف به الخواطر ، فكان بهذا السّير [ 18 / آ ] على صراط مستقيم لقوله تعالى « 2 » : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ . فأوّل سلوك الصّراط المستقيم هم اعتبار أوّل خاطر يخطر في القلب ، فمتى لم تجده راجحا في العقل بحكم الكتاب رجعت عنه ، فهذا الرّجوع سلوك في الصّراط لأنّه تذكّر عند مسّ طيف من الشّيطان ، وهذا ينبوع الأعمال ، وأوّل الكسب ، وبدء النّور والظّلمة ، ومنشأ كلّ خير وشرّ ، وأوّل الإرادة والاختيار والمشيئة الّذين من أجلهم كنت مكتسبا ، وبهم ظهرت ، ولولاهم ما أمرت ولانهيت ، ومن هاهنا ظهرت فضيلة الرّسل والكتب ، ولزم الامتحان ، فكن أبدا واقفا على صراط مستقيم ، ملازما حراسة قلبك أن تربط به خاطرا أوّلا مذموما فتجعله راتبا ، فهذا أوّل كسبك ، ومن هنا تبدأ العقائب ويستمرّ الأمر حتّى يقع الطّبع على القلب بالكسب ، وسمّي طبعا لأنّه يصير بمنزلة الطّباع للإنسان . لأنّ الانتقال عن الطّباع عسير جدّا إن أمكن ، فيكون هذا قد طبع على قلبه بكسبه . كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 3 » . بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ « 4 » ، فافهم هذا جيّدا ، وقف معه ولا تهمله ، أو تغفله ، أو تسامح أو تنسى « 5 » ، أو تغلط ، أو تتأوّل وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا « 6 » ، واسأل الله تعالى ذلك بالتّال والحال في كلّ آن وحال .

--> ( 1 ) في م : « يتّقى » تحريف . ( 2 ) سورة الأنعام : 153 . ( 3 ) سورة المطففين : 14 . ( 4 ) سورة النساء : 155 . ( 5 ) في م : « أو تفنى » . ( 6 ) في م : « حفيظا » . وهو اقتباس من عدّة آيات هي : الآيتان 81 و 171 من سورة النساء ، والآية 3 من سورة الأحزاب .